
في الصليب ومن على الصليب تجلّت الحكمة الإلهيّة. يُنظَر إلى صليب المسيح على أنّه جهالة في نظر العالم، ولكنّه في الواقع أعمق كشف للحكمة الإلهية. فمن خلال ذبيحة يسوع، حقّق الله خلاص البشريّة، جامعًا بين الحكمة البشريّة وحكمته اللامتناهية. “لأنّ كلمة الصليب عند الهالكين جهالة، وأمّا عندنا نحن المخلّصين فهي قوّة الله.” (كورنثوس الأولى ١: ١٨)
تجلّت الحكمة الإلهيّة بجلاء في يسوع المسيح على الصليب. بينما يبحث العالم عن إجاباتٍ عن الزائل والمُبهَم، يلجأ المؤمن إلى حكمة الله الأبديّة أن بذل إبنه الوحيد على الصليب فداءً لخلاصنا، والمؤمن الّذي يبحث عن الخلاص يجد في الصليب اليقين من الهداية والتوجيه، تُغيّرنا حكمة الصليب، وتُشكّلنا على صورة المسيح، لنكون أدوات للحكمة الإلهيّة في نشر محبة المسيح في عالمٍ يبحث عن الحكمة الحقيقيّة والنور.
كلمات يسوع على الصليب كما في وعظه بالأمثال للجموع زاخرة بالحكمة الخالدة تقدّم لنا دروسًا عمليّة في كيفيّة عيش حياة تُرضي الله. كما نجد من خلال تأمّلنا المسيح على الصليب إرشادًا إلهيًا لنسلك في حكمته. في عظاته يعلّمنا يسوع أن نحبّ قريبنا كما نحبّ أنفسنا، وهو ما يتطلّب حكمة إلهيّة للتعامل في العلاقات، ومن على الصليب يعلّمنا أكثر يسوع المغفرة حتّى للأعداء (وإن لن نعتبرهم أعداء بل يعتبرون أنفسهم أعداء) بقوله “أغفر لهم يارب لأنّهم لا يعلكون ماذا يفعلون” (لوقا23: 34) بكلّ لطف وصبر ليصالحهم مع الله.
في أنجيل متّى (13: 54) وفي أنجيل مرقس (6: 2) بُهِتَت الجموع :” من أين ليسوع هذه الحكمة أُعطِيَت له؟ سفر الرؤيا5: 12 يجيب ” الحمل المذبوح مستحقٌّ أن يأخذ القدرة والغنى والحكمة…” في كولوسي (2: 2) ” عن معرفة سرّ الله الآب والمسيح… كيف يمكن للمرء، بدون إيمان يقين، أن يؤمن بإله يرسل إبنه إلى العالم ليخلّصنا على الصليب؟ يُجيب القدّيس بولس عن هذه المفارقة، أنّهامفارقة إلهٍ يتواضع بدافع المحبّة أخلى نفسه آخذاً صورة عبد حتى أنه يُفني نفسه حتّى الموت على الصليب ليرفعنا بقيامته ( فيلبّي2: 6- 11).
بهذه الطريقة، ننظر إلى الصليب لنجمع الألم والفرح، الجمعة العظيمة وعيد الفصح، لأنّ الصليب لغة تحتاج إلى الصمت للتأمل في سرّ الخلود الإلهي : حكمة الله وحماقة الصليب، يتناقض مع مجتمعنا الاستهلاكي الخاضع والمهتمّ بالثروة الماديّة أكثر من النموّ الروحي: ما معنى الحياة؟ أين نجد الحكمة والله في عصر الفراغ الروحي هذا؟ يجيب مار بولس”تجلّى الرّوح وقوّته، لكي لا يكون إيمانكم في الحكمة البشرية، بل في قوة الله” (1 كورنثوس 2: 3-5).
الكاتب : مؤمن