sykakerk.nl


الصوم عن الأنانية… والعيش بروح العطاء



الصوم عن الأنانية… والعيش بروح العطاء

“السَّعادَةُ في العَطاءِ أَعظَمُ مِنها في الأَخْذ” (أعمال 20. 35)

يقدّم التعليم المسيحي الصوم لا كممارسة شكلية، بل كمسيرة توبة وتجديد للقلب. فالكتاب المقدس يربط الصوم دائماً بتحوّل داخلي ينعكس في علاقة الإنسان بالله وبالقريب. لذلك فالصوم، بحسب الرؤية الكتابية، ليس انسحاباً من المجتمع، بل دخولاً فيه بروح جديدة، روح المحبة والبذل

في العهد القديم، يرفض الله الصوم الذي يقتصر على المظاهر، ويطالب بصوم يحرّر المظلوم ويُشبع الجائع (راجع أشعيا 58). هذا البعد الاجتماعي للصوم يكشف أن العلاقة بالله لا تنفصل عن العدالة والمحبة. فكل عبادة لا تُثمر رحمة تتحوّل إلى طقس فارغ

أما في تعليم المسيح، فنجد أن العطاء يحتل موقعاً مركزياً. فيسوع لم يكتفِ بالدعوة إلى الصدقة، بل عاش منطق البذل الكامل. هو الذي “لم يأتِ لِيُخدَم، بَل لِيَخدُمَ”، وجعل من المحبة المعيار الأسمى للتلمذة. لذلك يؤكد الرسول بولس: “السَّعادَةُ في العَطاءِ أَعظَمُ مِنها في الأَخْذ”. إنها قاعدة للحياة المسيحية، لأنها تعكس قلب الله نفسه، الذي هو عطاء دائم.

أولاً: الأنانية في ضوء التعليم المسيحي

الأنانية هي انغلاق على الذات يُضعف الشركة مع الله ومع الآخرين. فالإنسان خُلق على صورة الله، والله محبة. وعندما ينغلق الإنسان على مصالحه فقط، يفقد شيئاً من صورته الحقيقية. لذلك يدعونا الكتاب المقدس إلى التواضع: “لا تفعلوا شيئًا بتحزّب أو بعجب… بل بتواضع” (فيلبي 2. 3–5). كما يذكّرنا: “لا نحب بالكلام ولا باللسان بل بالعمل والحق” (1 يوحنا 3. 18).

نرى نتائج الأنانية في تفكك العائلة، وضعف روح التضامن، وانتشار اللامبالاة. كم من علاقات انهارت لأن أحد الأطراف لم يشأ أن يضحي أو يغفر. وكم من محتاج بقي دون مساعدة لأن الآخرين اعتبروا أن مشكلته لا تعنيهم.

التعليم المسيحي يذكّرنا بأن المحبة ليست عاطفة عابرة، بل فضيلة تُترجم في أفعال. لذلك يرتبط الصوم بالصلاة والصدقة. فالصلاة تعيد توجيه القلب نحو الله، والصوم يدرّب الإرادة على الانضباط، والصدقة تفتح اليد والقلب معاً. ويؤكد سفر طوبيا: “الصلاة مع الصوم والصدقة خير من كنوز الذهب” (طوبيا 12. 8). هذه الممارسات الثلاث تشكل طريقاً متكاملاً للنمو الروحي.

ثانياً: الصوم كتجديد

عندما يصوم المؤمن عن الأنانية، يبدأ تغيير حقيقي في محيطه. فالأم التي تخصّص وقتاً إضافياً للاستماع إلى أولادها تمارس صوماً عن انشغالها بذاتها. والموظف الذي يرفض أن يستغل موقعه لمصلحة شخصية يعيش صوماً عن الطمع. والشاب الذي يزور مريضاً أو يساعد فقيراً يترجم إيمانه إلى فعل.

هذه الممارسات الصغيرة هي بذور ملكوت الله في المجتمع. فالكنيسة، بحسب التعليم المسيحي، مدعوّة لأن تكون علامة رجاء وسط العالم. ولا يتحقق ذلك بالكلام فقط، بل بشهادة حياة تعكس محبة المسيح.

العطاء لا يقتصر على المال. قد يكون في وقت نقدّمه، أو جهد نبذله، أو كلمة تشجيع نقولها. أحياناً يكون أعظم عطاء هو الغفران. فحين يصوم الإنسان عن كبريائه ويختار المصالحة، يفتح باب شفاء ليس فقط لنفسه، بل لجماعته أيضًا.

ثالثاً: الصوم زمن العطاء الذي يوسّع القلب

الكتاب المقدس يكشف مفارقة عميقة: من يعطي ينال. ليس بالضرورة مادياً، بل سلاماً داخلياً وفرحاً روحياً. فالقلب الذي يعتاد البذل يتحرر من عبودية الامتلاك. والتعليم المسيحي يؤكد أن الفضيلة تنمو بالممارسة؛ فكل فعل عطاء يوسّع القلب ويجعله أكثر شبهاً بالمسيح.

هكذا يصبح الصوم زمناً لإعادة ترتيب الأولويات. لا يعود السؤال: ماذا أريد لنفسي؟ بل: ماذا أستطيع أن أقدّم؟ وعندما يتحوّل هذا السؤال إلى أسلوب حياة، يتجدد المجتمع من الداخل.

خاتمة

الصوم عن الأنانية هو دعوة إلى استعادة صورة الله فينا، صورة المحبة الباذلة. إنه مسيرة شخصية وجماعية في آن واحد، لأن القداسة لا تنفصل عن المسؤولية تجاه الآخرين.

وعندما نعيش هذا الصوم بروح الإنجيل، نختبر صدق الوعد: “السَّعادَةُ في العَطاءِ أَعظَمُ مِنها في الأَخْذ”. فالسعادة الحقيقية لا تُبنى على التملّك، بل على المشاركة. وهكذا يصبح الصوم زمن نموٍّ روحيٍّ عميق، يُجدّد الإنسان ويزرع في المجتمع قيم المحبة والرحمة.


الخوراسقف: سعدي خضر/هولندا

السبت 28-02-2026

المراجع

1.الترجمة اليسوعية. بيروت: دار المشرق، الطبعة الرسمية، 1994.

2.الكنيسة الكاثوليكية. التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية. بيروت: المكتبة البولسية، 2005. (1430–1439، 2443-2449)

3.يوحنا الذهبي الفم. عظات عن الصوم والصدقة. بيروت: منشورات آبائية، 2000.

4.باسيليوس الكبير. عظات حول العدالة الاجتماعية والصوم. بيروت: منشورات آبائية، 1998.