sykakerk.nl


الصوم عن اللامبالاة… والالتزام بالعدالة


“أَلَيسَ الصَّومُ الَّذي فَضَّلتُه هو هٰذا: حَلُّ قُيودِ الشَّرِّ وفَكُّ رُبُطِ النِّير وإِطْلاقُ المَسْحوقينَ أَحْراراً … أَليسَ هو أَن تَكسِرَ للجائِعِ خُبزَكَ وأَن تُدخِلَ البائسينَ المَطْرودينَ بَيتَكَ” (إشعياء 58. 6–7).

غالباً ما يُفهم الصوم كممارسة فردية تقوم على الامتناع عن الطعام أو بعض الملذات، لكن كلمة الله، خاصة في نص إشعياء، تكشف بُعداً أعمق: الصوم ليس مجرد طقس، بل أسلوب حياة. إنه تحرّر من اللامبالاة وانفتاح على معاناة الآخرين، وانتقال من عبادة شكلية إلى التزام حيّ بالعدالة والمحبة.

أولاً: الصوم الذي يلمس الحياة

قد نمارس الصوم كعادة، دون أن ينعكس على سلوكنا أو علاقتنا بالآخرين. لكن الصوم الحقيقي هو الذي يغيّر القلب، ويجعلنا أكثر انتباهاً للإنسان القريب منا في العائلة والعمل والمجتمع. إنه دعوة لعيش الإيمان في التفاصيل اليومية، لا في لحظات العبادة فقط.

ثانياً: الصوم عن اللامبالاة

في عالم سريع ومزدحم، يصبح من السهل أن نعتاد على مشاهد الألم. نرى الفقير، نسمع عن المظلوم، وربما نشعر للحظة، ثم نتابع طريقنا. هذه هي اللامبالاة التي يتحدّث عنها النص بشكل غير مباشر: حالة من البرود الداخلي التي تفصل الإنسان عن أخيه الإنسان.

الصوم الحقيقي يبدأ عندما نقرّر أن نصوم عن هذا البرود. أن نسمح لقلوبنا أن تتألم، أن تتفاعل، وأن تتحرّك. فالله لا يريد فقط أن نجوع، بل أن نشعر. لا يريد طقوساً بلا روح، بل قلباً حيّاً ينبض بالمحبة. حيث يقول القديس يعقوب في رسالته: “فإِن كانَ فيكُم أَخٌ عُريانٌ أَو أُختٌ عُريانَةٌ يَنقصُهما قُوتُ يَومِهِما، وقالَ لَهما أَحدُكم: إِذْهَبا بِسَلامٍ فٱستَدفِئا وٱشبَعا، ولم تُعطوهما ما يَحتاجُ إِلَيه الجَسَد، فماذا يَنفَعُ قَولُكُم؟” (يعقوب 2. 15–17).

ثالثاً: من الجوع إلى المشاركة

عندما يختبر الإنسان الجوع، ولو بشكل مؤقت، يُدرك معنى الحاجة. لكن هذا الإدراك لا يكتمل إلا إذا تحوّل إلى فعل. “أَن تَكسِرَ للجائِعِ خُبزَكَ” ليست مجرد دعوة إلى العطاء، بل إلى المشاركة الحقيقية. حيث نقرأ في سفر الأمثال: “الصَّالِحُ العينِ يُبارَك، لِأَنَّه أَعْطى مِن خُبزِه لِلفَقير” (الأمثال 22. 9)

في الحياة اليومية، قد يكون هذا الخبز كلمة طيبة، وقتاً نقدّمه لشخص محتاج، أو موقفاً نقف فيه إلى جانب من لا صوت له. الصوم هنا يتحوّل إلى أسلوب حياة، حيث يصبح العطاء جزءاً طبيعياً من الإيمان.

رابعاً: الصوم كالتزام بالعدالة

الصوم لا يتوقف عند العطاء الفردي، بل يمتد إلى مواجهة الظلم: “حَلُّ قُيودِ الشَّرِّ… إِطْلاقُ المَسْحوقينَ”.

إنه دعوة للدفاع عن كرامة الإنسان، ورفض الاستغلال، وعدم السكوت عن الظلم. فالإيمان الحقيقي يتجسّد في مواقف عادلة، وكل صوم لا يقود إلى العدالة يبقى ناقصاً.

خامساً: الإيمان كمسؤولية يومية

الهوية المسيحية ليست انتماءً نظرياً، بل رسالة تُعاش.

كما يقول يسوع: “كُلَّما صَنعتُم شَيئاً مِن ذٰلك لِواحِدٍ مِن إِخوَتي هٰؤُلاءِ الصِّغار، فلي قد صَنَعتُموه” (متى 25. 40).

المؤمن مدعو أن يكون حاضراً في مجتمعه: يساند الضعيف، ويشهد للحق، ويجسّد المحبة في أفعاله اليومية.

سادساً: من الأنانية إلى التضامن

الصوم الحقيقي يحرّر الإنسان من الانغلاق على ذاته، ويدعوه إلى الانفتاح على الآخرين. إنه انتقال من الأنانية إلى التضامن، من الاكتفاء بالنفس إلى الاهتمام بالآخر، كما يقول الإنجيل: “أَحبِبْ قَريبَكَ حُبَّكَ لِنَفْسِكَ” ( متى 22. 39)

وعندما يعيش الإنسان هذا التحوّل، يكتشف أن الإيمان ليس علاقة فردية فقط، بل علاقة حيّة تشمل كل إنسان. عندها، تتحوّل الحياة اليومية إلى مساحة لقاء مع الله، نختبره من خلال الآخر، ونراه في كل وجه نلتقي به.

خاتمة

الصوم الحقيقي ليس امتناعاً عن الطعام فقط، بل صوم عن اللامبالاة والظلم، والتزام عملي بالعدالة والمحبة.

عندما نعيشه بصدق، يتحوّل إيماننا إلى قوة تغيير، وتصبح حياتنا شهادة حيّة لقيم الإنجيل.

إنه طريق نحو إنسانية أعمق: تحرّر من الأنانية، وانفتاح على الآخر، وتجسيد حيّ للمحبة في واقعنا اليومي.

الخوراسقف: سعدي خضر/هولندا

السبت 21-03-2026


المراجع

1.كتاب مقدّس – الترجمة اليسوعية.

بيروت: دار المشرق، الطبعة الرسمية، 1994.

2.بندكتس السادس عشر. يسوع الناصري. ترجمة مركز دراسات الشرق المسيحي. بيروت: دار المشرق، 2012.

3.المجلس الحبري للعدالة والسلام. ملخص تعليم الكنيسة الاجتماعي. ترجمة مركز الدراسات المسيحية. بيروت: دار المشرق، 2005.

4.Bianchi, Enzo. Il pane di ieri: Commenti al Vangelo quotidiano. Torino: Einaudi, 2008.

5.Maggi, Alberto. Il Dio che libera: Commento al profeta Isaia. Assisi: Cittadella Editrice, 2014.