sykakerk.nl


لا لفرض القناعات، نعم لشركة المحبة



في عالم يتّسم بتعدّد الآراء والتوجّهات، يبرز سؤال جوهري: هل نحن مدعوون إلى تغيير الآخرين أم إلى بناء ذواتنا والدخول في شركة محبة معهم؟ إن السعي الدائم لإقناع الآخر قد يتحوّل إلى توتّر اجتماعي واستنزاف روحي، خصوصاً حين يتجاهل حرية الإنسان وكرامته. من هنا، تسعى هذه المقالة إلى تقديم قراءة لاهوتية–اجتماعية تُظهر أن الدعوة المسيحية لا تتمحور حول فرض القناعات، بل حول بناء شركة قائمة على المحبة والحرية والشهادة الحيّة.

أولاً: الكرامة الإنسانية وحرية الضمير

ينطلق اللاهوت المسيحي من مبدأ أساسي: الإنسان مخلوق على صورة الله (تكوين 1. 27)، وبالتالي يتمتع بكرامة أصيلة وحرية داخلية. هذه الحرية ليست تفصيلاً ثانوياً، بل هي شرط أساسي لعلاقة حقيقية مع الله.

يقول المسيح: “هَا إِنِّي وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ أَقْرَعُ” (رؤيا 3. 20)،

وهي صورة لاهوتية عميقة لاحترام الله لحرية الإنسان. فالله لا يقتحم، بل ينتظر. وبالتالي، فإن أي محاولة بشرية لفرض القناعات تتعارض مع هذا المنطق الإلهي.

ثانياً: منطق الإنجيل وحدود الإقناع

يقدّم الإنجيل نموذجاً واضحاً في التعامل مع الرفض. ففي (متى 10. 14)، يدعو المسيح تلاميذه إلى الانسحاب بسلام حين لا تُقبل رسالتهم. هذا لا يعكس فشلاً، بل وعياً بحدود الدور البشري.

ويشرح يوحنا الذهبي الفم هذا الموقف بقوله: “ليس دورك أن تُجبر، بل أن تُعلن. فإن لم يُقبل كلامك، فقد أديت رسالتك.”

هذا التعليم يحمل بُعداً اجتماعياً مهماً: فالإصرار على الإقناع قد يتحول إلى عنف رمزي يهدد العلاقات الإنسانية، بينما القبول بالاختلاف يفتح المجال لحوار حقيقي.

ثالثاً: الشركة بدل الهيمنة

في اللاهوت الاجتماعي، تُفهم الكنيسة كـ”شركة”، لا كمساحة فرض وهيمنة. يقول الرسول بولس: “فعَلَينا إِذًا أَن نَسْعى إِلى ما غايتُه السَّلامُ والبُنْيانُ المُتَبادَل” (رومية 14. 19).

الشركة هنا لا تعني التطابق، بل العيش المشترك في المحبة رغم الاختلاف. وهذا يتطلب التخلي عن الرغبة في السيطرة الفكرية على الآخر.

ويؤكد توما الأكويني أن الحقيقة تُقنع بذاتها عندما تُعاش، لا عندما تُفرض: “الحقيقة تُدرَك بالنعمة والعقل، لا بالإكراه.”

رابعاً: الإصلاح الذاتي كأساس للتحول الاجتماعي

يضع المسيح مبدأً حاسماً في (متى 7. 3): “لِماذا تَنظُرُ إِلى القَذى الَّذي في عَينِ أَخيك…؟”

هذا النص لا يوجّه فقط إلى إصلاح فردي، بل يحمل بُعداً اجتماعياً: فالمجتمع لا يتغير بفرض القيم، بل بتحول الأشخاص من الداخل.

ويقول باسيليوس الكبير: “أصلح نفسك، فيُصلح الله العالم من خلالك.”

من هنا، يصبح بناء الذات فعلاً اجتماعياً بامتياز، لأن الإنسان المتجدّد يُصبح عنصر سلام في محيطه.

خامساً: الشهادة الحياتية كقوة تغيير

يدعو الإنجيل إلى أن يكون المؤمن “نورُ العالَم” (متى 5. 14)، وهذا النور لا يُفرض بل يُرى. التأثير الحقيقي في المجتمع لا يأتي من الجدل، بل من الحياة التي تعكس القيم الإنجيلية.

ويؤكد فرنسيس الأسيزي هذا البعد بقوله: “اكرزوا بالإنجيل في كل وقت، وإن لزم الأمر فبالكلام.”

هذه الرؤية تعيد ترتيب الأولويات: بدل أن تُهدر الطاقة في إقناع الآخرين، تُستثمر في عيش المحبة، والعدالة، والتواضع، فتتحول الحياة نفسها إلى رسالة.

سادساً: تعليم الكنيسة الكاثوليكية وحدود الإقناع

يقدّم التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية رؤية متوازنة بين إعلان الحق واحترام الحرية.

يؤكد: “لا يُكره أحد على اعتناق الإيمان الكاثوليكي ضد ضميره” (العدد 2106).

كما يوضح: “الإيمان هو عمل إنساني في جوهره، لأنه استجابة حرة من الإنسان إلى الله” (العدد 166).

ويُبرز هذا التعليم أن الإيمان لا يُبنى على الإكراه، بل على الحرية الداخلية للإنسان.

ويضيف أن رسالة المؤمن في العالم تقوم على الشهادة الحياتية: “دعوة المؤمنين هي أن يكونوا شهوداً للمسيح في العالم، لا بالقول فقط، بل بالحياة أيضاً” (العدد 2472).

وبذلك، يتحول الفعل المسيحي من محاولة “إقناع الآخرين” إلى “إشراق حياة” تُلهم دون ضغط، وتدعو دون فرض.

خاتمة

نكتشف ونفهم أن الدعوة المسيحية لا تتمثل في السيطرة على قناعات الآخرين، بل في احترام حريتهم، وبناء شركة قائمة على المحبة. إن حدود الإقناع ليست ضعفاً، بل تعبير عن نضج روحي واجتماعي، يعترف بأن الله وحده يلمس القلوب.

وبالتالي، فإن الطريق الأكثر ثمراً ليس في تغيير الآخرين بالقوة، بل في تحويل الذات إلى شهادة حيّة، قادرة على أن تُلهم دون أن تفرض، وأن تُحب دون أن تُسيطر.


الخوراسقف: سعدي خضر/هولندا

السبت 25-04-2026

المراجع

1.الكتاب المقدس. العهد الجديد. ترجمة الآباء اليسوعيين. بيروت: دار المشرق، 1992.

2.يوحنا الذهبي الفم. عظات على إنجيل متّى. ترجمة عربية. بيروت: دار المشرق، 2007.

3.توما الأكويني. الخلاصة اللاهوتية. ترجمة عربية. بيروت: دار المشرق، 1995.

4.باسيليوس الكبير. العظات (Homiliae). ترجمة عربية. بيروت: دار المشرق، 2001

5.بولس، سمير خليل. اللاهوت الروحي المسيحي. القاهرة: دار الثقافة، 2010.

6.الخوري، يوسف. مدخل إلى الكتاب المقدس. بيروت: دار المشرق، 2008.

7.Catechismo della Chiesa Cattolica. Città del Vaticano: Libreria Editrice Vaticana, 1992.

8.Martini, Carlo Maria. La Parola di Dio nella vita cristiana. Milano: Mondadori, 2001.

9.Ravasi, Gianfranco. Il linguaggio di Dio. Bologna: EDB, 2005.