في كل عام، يعود إلينا عيد الميلاد حاملاً معه أضواءً وزينةً وأناشيد، فيفرح الناس وتتجمّع العائلات وتنتعش الأسواق. لكن وراء هذا الاحتفال الكبير، هناك سؤال أعمق يجب أن نطرحه على أنفسنا:
هل الميلاد مجرد مناسبة اجتماعية؟ أم حدث يحمل معنى يغيّر حياتنا؟
الميلاد ليس مجرد ذكرى… بل هو حضور.
ليس مجرد عيد… بل بداية جديدة.
أولاً: كيف يحتفل الناس بميلاد الرب يسوع؟
الاحتفال العائلي
في أغلب البيوت، يصبح الميلاد فرصة للقاء العائلة.
تُقدّم الهدايا، تُرتّب الزينة، تُضاء الشجرة، وتُحضَّر المائدة بتعب ومحبّة.
هذا الجو العائلي يعكس حقيقة أساسية:
الميلاد يجمع، ولا يفرّق.
يوحّد، ولا يشتت.
الاحتفال الشعبي والاجتماعي
تزدحم الشوارع بالأنوار، وتنتشر التراتيل، وتقام الأسواق الميلادية.
الأطفال ينتظرون المفاجآت، والكبار يستعيدون ذكريات طفولتهم.
حتى غير المسيحيين يشاركون أحياناً فرح الموسم، لأن ميلاد يسوع يحمل نكهة إنسانية تتخطى الحدود الدينية.
الاحتفال الروحي
في الكنائس، يلتقي المؤمنون للصلاة وسماع خبر الخلاص:
“والكَلِمَةُ صارَ بَشَراً فسَكَنَ بَينَنا” ( يوحنا 1. 14)
لحظة الميلاد تذكّرنا أن السماء اقتربت من الأرض، وأن الله لم يترك الإنسان وحده.
هذا هو قلب العيد… وكل الاحتفالات الخارجية تصبح ناقصة إن غاب عنها هذا البعد الروحي.
ثانياً: معنى الميلاد لحياتنا اليومية
الميلاد هو تذكير بقيمة الإنسان
حين ولد يسوع في مذود فقير، كشف رسالة عميقة:
كرامة الإنسان لا تتعلق بما يملك، بل بمن يحبه الله.
في عالم مليء بالطبقية والفوارق الاجتماعية، يعلن الميلاد أن الله اختار البساطة ليصل إلى الجميع دون تمييز.
الميلاد دعوة لفتح القلوب
الميلاد ليس حدثاً نحتفل به من الخارج، بل باباً نفتح به حياتنا.
كما فتحت مريم قلبها لكلمة الله، يُطلب منّا أن نسمح للنور أن يدخل أماكننا المظلمة:
نقاط ضعفنا، مخاوفنا، الجراح في علاقاتنا، وخياراتنا المرهقة.
الميلاد هو شجاعة البدء من جديد.
الميلاد هو حركة نحو الآخر
الله لم يبقَ بعيداً في السماء، بل اقترب من الإنسان.
وهكذا، يصبح الميلاد دعوة لنا أن نقترب نحن أيضاً:
-نقترب من المحتاج
-من الغريب
-من الذي اختلف معنا
-من الذي فقد الرجاء
الميلاد يطلب منا أن نكون حضور سلام في بيوت متعبة وعلاقات متكسّرة.
الميلاد معنى للمصالحة
في زمن تُقسم فيه المجتمعات بسبب السياسة أو الدين أو المواقف، يأتي الميلاد ليقول:
السلام يبدأ بين شخصين يقرران أن يسامحا بعضهما.
ما قيمة أن نعلّق الأنوار على شجرة الميلاد إن بقيت قلوبنا معتمة؟
ثالثاً: كيف نحتفل بالميلاد بشكل يغيّر الحياة؟
ليس المطلوب مزيداً من الاحتفالات… بل قلباً أوسع.
وليس المطلوب هدايا ثمينة… بل محبّة أصدق.
يمكن أن نحتفل بالميلاد بطريقة تعطيه معنى حقيقياً إذا:
-زرنا شخصاً وحيداً أو مريضاً.
-غَفَرنا لشخص جَرَحَنَا.
-قدمنا هديّة بسيطة من القلب لا من باب العادة.
-خصصنا وقتاً للصلاة، ولو لدقائق.
-ساعدنا عائلة محتاجة بسرية ومحبة.
هكذا يصبح الميلاد نوراً فعلياً… لا مجرد زينة تُطفأ بعد العيد.
خاتمة
ميلاد الرب يسوع هو إعلان أن الله معنا، في تعبنا وفرحنا، في ضعفنا وأحلامنا.
هو عيد يذكّرنا بأن الظلام لن ينتصر، لأن النور قد جاء إلى العالم.
والميلاد الحقيقي يبدأ حين نسمح لهذا النور أن يمرّ عبرنا إلى الآخرين.
فليكن عيد الميلاد هذا العام فرصة لولادة جديدة… في القلب، في البيت، وفي المجتمع.
الخوراسقف: سعدي خضر/هولندا
السبت 20-12-2025
www.sykakerk.nl