sykakerk.nl



في عالم تزداد فيه الأصوات وتتداخل فيه الرسائل، يبقى السؤال الروحي-الاجتماعي حاضراً بإلحاح: هل نحن مجرد مستمعين لكلمة الله، أم أننا شُهود لها؟
إنّ الفرق بين الاثنين ليس لفظياً ولا عابراً، بل يلامس جوهر الحياة الإيمانية ومسؤوليتنا تجاه ذواتنا وتجاه الآخر.
اولاً: الاستماع… خطوة أولى وليست الهدف
الإنسان قد يسمع كلمة الله كما يسمع أي خبر يمرّ عليه مروراً سريعاً. كثيرون يقرأون الأسفار المقدّسة أو يستمعون للوعظات دون أن تترك أثراً عميقاً. يقول الرسول يعقوب: “وكونوا مِمَّن يَعمَلونَ بِهٰذه الكَلِمَة، لا مِمَّن يَكتَفونَ بِسَماعِها فيَخدَعونَ أَنفُسَهم” (يعقوب 1. 22).
فالاستماع وحده لا يغيّر الواقع، ولا يشكّل علاقة حقيقية بين الإنسان وربه. إنّه مدخل، نقطة بداية تنتظر الترجمة إلى حياة.
ثانياً: الشهادة… الترجمة العملية للإيمان
الشاهد ليس مجرد مندهش أو متلقي، بل إنسان يعيش الإيمان بوجه ملموس. الشهادة تُرى قبل أن تُسمع، وتُعرَف قبل أن تُعلَن.
حين قال المسيح لتلاميذه: “وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا” (أعمال الرسل 1. 8)،
لم يدعُهم إلى نشر فكرة فحسب، بل إلى تجسيد حياة جديدة في وسط المجتمع.
-الشاهد يختار الصدق حين يسهل الكذب.
-يختار المحبة حين يبدو الانتقام خياراً أسرع.
-يختار الغفران وهو مُقتدر على الإساءة.
بهذا يتحول الإيمان من كلمات تُسمَع إلى نورٍ يُرى.
ثالثاً: استماع يغيّر… وشهادة تتجاوز الذات
المجتمع اليوم يعاني من كثرة الخطاب وقلّة الالتزام. نسمع عن العدالة ولا نمارسها، نتكلم عن المحبة ولا نعيشها، نتغنّى بالسلام ونحن نشارك في صناعته أو كسره.
هنا يصبح التحدي: هل نسمح لكلمة الله أن تغيّرنا؟
التغيير الداخلي هو مفتاح كل شهادة. لا يمكن لإنسان أن يكون شاهداً على نور لا يعيش بداخله. وكما يقول المسيح: “مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ” (متى 7. 20).
رابعاً: كلمة الله في المجتمع… مسؤولية مشتركة
الشهادة لا تعني فقط ممارسة الفضائل على المستوى الفردي، بل حمل رؤية الإنجيل إلى بيئة العمل، الجامعة، العائلة، والمجتمع.
الشهادة اليوم قد تكون في:
-الدفاع عن الضعيف.
-مساندة من يشعر بالوحدة.
-نشر ثقافة الرجاء في عالم يسوده القلق.
-بناء الحوار بدل النزاع.
كل فعل بسيط لكنه نابع من روح الإنجيل يتحول إلى شهادة حقيقية لكلمة الله.
خاتمة
لسنا مدعوين أن نكون مستمعين فقط، لأن الاستماع يموت عند حدود الأذن.
نحن مدعوون أن نكون شهوداً، لأن الشهادة تمتد إلى القلب، وتعبُر منه إلى الحياة، ومنها إلى المجتمع.
إنّ كلمة الله لا تُكرَّم بسماعها فقط، بل بحملها، وتجسيدها، والعيش وفقاً لها.
وهكذا يصبح كل واحد منا إنجيلاً مفتوحاً، يقرأ الناس فيه حضور الله وفعله.


الخوراسقف: سعدي خضر/هولندا
السبت 13-12-2025