الكنيسة لا تُبنى بالمؤامرات ولا بالتحزّبات، حتى لو رُفعت باسم “خير الكنيسة”

نبدأ هذا الأسبوع أسبوع الصلاة من أجل وحدة المسيحيّين
أقدّم هذا الموضوع لا كاتهام ٍ ولا كإدانة، بل كصرخة محبّة نابعة من غيرةٍ صادقة على الكنيسة “فأنتم جسدُ المسيح، وكلُّ واحدٍ منكم عضوٌ منه” (1 كورنثوس 12: 27).
ولذلك صلى الرب يسوع من أجل وحدة هذا الجسد قائلاً: “لِيَكونوا واحداً كما نَحنُ واحِد” (يوحنا 17. 22)،
لأن المحبة هي العلامة الأولى للشهادة المسيحية: “إِذا أَحَبَّ بَعضُكُم بَعضاً عَرَفَ النَّاسُ جَميعاً أَنَّكُم تَلاميذي ” (يوحنا 13. 35).
هي دعوة صادقة لكل مطران وكاهن وراهب وراهبة، ولكل مؤمن بحسب مسؤوليته وخدمته، ليكون شاهداً حياً لمحبة المسيح، ويقف أمام ضميره ويسأل نفسه بصدق:
هل ما أفعله اليوم يَبْني جسد المسيح أم يَجْرَحُهُ؟
الكنيسة بين روح الإنجيل وصراعات البشر
كم هو مؤلم وقاس ٍ أن نسمع عن وجود مؤامرات وصفقات تُحاك داخل الكنيسة باسم المصلحة العامة وخير الكنيسة. فالكنيسة، التي دُعيت لتكون جسداً واحداً في المسيح، لا يمكن أن تُبنى على الانقسامات والتحزّبات. يقول الرسول بولس: “فإِذا كانَ فيكُم حَسَدٌ وخِصام، أَفَلَيسَ في ذٰلِكَ دَليلٌ على أَنَّكُم بَشَرِيُّون وأَنَّكُم تَسيرونَ سِيرةً بَشَرِيَّة؟” (1 كورنثوس 3. 3).
فالتحزّب، مهما ارتدى من شعارات الإصلاح، يبقى علامة ابتعاد عن روح الإنجيل: “وأَقول: أُسلُكوا سَبيلَ الرُّوح فَلا تَقْضوا شَهوَةَ الجَسَد”(غلاطية 5. 16).
كثيراً ما تتشكّل داخل الكنيسة مجموعات تقف ضد أشخاص أو جماعات أخرى، وكلّ فريق يعتقد أنه الأحق بالقيادة، أو يبرّر أفعاله كردّ فعل على جراح وأحداث من الماضي. لكن الرسول بولس يطرح سؤالاً مؤلماً ما زال يتردّد صداه في الكنيسة اليوم: “أَتُرى المسيحُ ٱنقَسَم؟” (1 كورنثوس 1. 13).
فالكنيسة لا تقوم على الأشخاص ولا على المصالح، بل على المسيح وحده.
إن أخطر ما في هذه الممارسات أنها تنكر، ولو ضمنياً، عمل الروح القدس في الكنيسة. فالإنسان الذي يظنّ نفسه دائماً على حق، وينصّب ذاته مرجعاً للحقيقة، ينسى أن الروح هو الذي يقود الكنيسة. يقول الكتاب المقدس: “رُبَّ طَريقٍ يَستَقيمُ في عَينَيِ الإِنْسان وأَواخِرُه طُرُقٌ إِلى المَوت.” (أمثال 14. 12).
وحين تُستبدل الطاعة للروح بالاتكال على الذات، تتحوّل الخدمة إلى سلطة، والدعوة إلى صراع نفوذ.
في المقابل، يضع الرب يسوع معياراً واضحاً للقيادة في كنيسته، فيقول: “مَن أَرادَ أَن يكونَ كبيراً فيكُم، فَلْيَكُنْ لَكم خادِماً” (متى 20. 26).
فالقيادة في الكنيسة ليست امتيازاً بل مسؤولية، وليست سيطرة بل خدمة متواضعة.
ويقدّم لنا تاريخ الكنيسة مثالاً مؤلماً على عواقب الصراعات الداخلية، كما في الانقسام الكبير بين كنائس الشرق والغرب سنة 1054، حيث تداخلت الخلافات اللاهوتية مع صراعات السلطة والكبرياء، فكان الانقسام جرحاً عميقاً في جسد الكنيسة ما زالت آثاره قائمة حتى اليوم. هذا الحدث يذكّرنا بأن أي خلاف لا يُعاش بروح التواضع والحوار يقود إلى انقسام بدل الشهادة.
إن الكنيسة تبقى أمينة لرسالتها حين تعترف بأن قائدها الحقيقي هو الروح القدس، وحين يعيش خدامها بروح الشراكة لا التنافس، وبروح المحبة لا الإقصاء. يقول الرسول بولس: “نَحنُ عامِلونَ مَعاً في عَمَلِ الله” (1 كورنثوس 3. 9).
وفي الختام، صرخة كاهن من أجل الوحدة:
يا رب، هذه صرختي ككاهن في كنيستك:
أنقذ كنيستك من انقساماتنا، ومن كبريائنا المقنّع باسم الغيرة.
أنقذنا من وهم أننا نعرف أكثر منك، ونحبّ الكنيسة أكثر منك.
يا رب، أعدنا إلى بساطة الإنجيل، إلى قلب يعرف أن يصغي، وإلى روح تعرف أن تخدم لا أن تهيمن.
أرسل روحك القدوس ليشفي ما انكسر، وليطفئ نار الخصومات، وليعلّمنا أن نبحث عمّا يوحّدنا لا عمّا يفرّقنا.
اجعل كنيستك واحدة، لا بقوة البشر، بل بقوة محبتك.
آمين.
الخوراسقف: سعدي خضر/هولندا
الاربعاء 17-01-2026