sykakerk.nl


يا إنسان لا تَنْسَ أنك فانٍ… ومدعوّ إلى الأبدية


في عالم ٍ يزداد فيه السعي نحو الشهرة والنجاح والمكانة، يكبر داخل الإنسان وهمٌ خطير: وهم الخلود على هذه الأرض. يشعر البعض أن الزمن لن يمسّهم، وأنهم فوق الآخرين، حتى فوق التاريخ نفسه. لكن الحقيقة البسيطة التي يتجاهلها كثيرون هي أن الإنسان فانٍ مهما عظُم شأنه.

هذا الوعي ليس دعوة إلى التشاؤم، ولا إنكاراً للرجاء، بل تذكيرٌ بحقيقة إنسانية أساسية: نحن عابرون في هذا العالم، لكننا في الإيمان المسيحي لسنا مخلوقين للفناء وحده، بل مدعوون إلى الحياة الأبدية. حين ينسى الإنسان فناءه، يقع في فخّ الغرور، وحين يعي محدوديته، يبدأ بالعيش بصدق واتزان، موجّهاً نظره إلى ما هو أعمق وأبقى.

أولاً: الغرور يهدم صاحبه قبل أن يهدم الآخرين

الإنسان الذي يعتقد أنه فوق الخطأ، يعيش في صراع دائم مع الواقع. فالنجاح إذا لم يُضبط بالتواضع يتحول إلى كبرياء يهدّ أركان الشخصية.

يقول الكتاب المقدّس: “قَبلَ التَّحَطُّمِ الكِبرِياء، وقَبلَ السُّقوطِ تَرَفُّعُ الرُّوح” (أمثال 16. 18)

الغرور لا يُبعد الإنسان عن الناس فقط، بل يُبعده أيضاً عن الله، فينسى أنه مخلوق محتاج إلى النعمة. أمّا التواضع فيضع الإنسان في موقعه الصحيح: عبدٌ أمين، لا سيّد الزمن.

ثانياً: النجاح قد يكون أخطر من الفشل

الفشل يذكّر الإنسان بحدوده، أمّا النجاح فيُسكره بسهولة. وعندما يتوهّم الإنسان أنه “وصل”، ينسى أن كل ما يملكه هو عطية مؤقتة.

يقول الرسول بولس: “فمَن ظنَّ أَنَّه قائم، فلْيَحذَرِ السُّقوط” (1 كورنثوس 10. 12)

المسيحية لا ترفض النجاح، لكنها ترفض أن يتحوّل النجاح إلى بديل عن الله، أو إلى وهم خلود أرضي. النجاح الحقيقي هو أن يبقى القلب متواضعاً، متعلّقاً بما هو أبدي، لا بما يزول.

ثالثاً: وَهْم الخلود… ونسيان الأبدية

في زمن الإنجاز السريع، يتصرّف البعض كأنهم خالدون:

-اسمهم سيبقى

-أعمالهم لن تُنسى

-التاريخ سيقف احتراماً لهم

لكن الكتاب المقدّس يذكّرنا: “وما الإِنسانُ السَّائِرُ إِلَّا ظِلّ” (مزمور 39. 6)

غير أن الإيمان المسيحي لا يتوقّف عند الظلّ، بل يفتح أمام الإنسان أفق الرجاء: الإنسان ظلّ على الأرض، لكنه مدعوّ إلى نور الحياة الأبدية. وما لا يصنعه الإنسان بدافع الحب، لا يبقى، مهما علا اسمه.

رابعاً: الوعي بالفناء يفتح باب الرحمة… والأبدية

حين يعي الإنسان أنه فانٍ، تتغيّر نظرته للآخرين.

يصير أكثر تواضعاً، أقل قسوة، وأكثر رحمة.

ويقول السيد المسيح: “فمَن رفَعَ نَفْسَه وُضِع، ومَن وَضَعَ نَفْسَه رُفِع” (لوقا 14. 11)

التواضع هنا ليس فقط أسلوب حياة أرضي، بل طريق إلى الارتفاع الحقيقي عند الله. فالمجد الذي يُرفع في الأبدية لا يُبنى على الكبرياء، بل على المحبة والخدمة.

خاتمة

تذكّر أنك فانٍ… لتعيش للأبد

المسيحية لا تطلب من الإنسان أن يعيش خائفاً من الموت، بل واعياً لمعنى الحياة. نحن فانون على هذه الأرض، نعم، لكننا لسنا مخلوقين للعدم، بل للقاء الله.

تذكّر أنك فانٍ، لا لكي تخاف النهاية، بل لكي تعيش كل يوم بعمق، وتذكّر أنك مدعوّ إلى الحياة الأبدية، لكي لا تتعلّق بما يزول.

فالمجد الحقيقي لا يُقاس بما نحققه هنا فقط،

بل بما نحمله معنا إلى الأبد: قلب متواضع، وأثر محبة، ورجاء لا يموت.

الخوراسقف: سعدي خضر/هولندا

السبت 07-02-2026

المراجع

1.الكتاب المقدس. الترجمة اليسوعية. بيروت: دار المشرق، 1995.

2.يوحنا بولس الثاني. عبرتُ عتبة الرجاء. ترجمة جورج حدّاد. بيروت: دار المشرق، 1994.

3.بندكتس السادس عشر. الرجاء الذي لا يخيّب. ترجمة مركز النور. القاهرة: دار النشر الكاثوليكية، 2008.

4.أنطونيوس فكري. تفسير سفر المزامير. القاهرة: كنيسة مارمرقس، 2005.

5.Henri J. M. Nouwen. La via del cuore. Brescia: Queriniana, 1996.

6.Romano Guardini. Il senso della vita. Brescia: Morcelliana, 2000.

7.Enzo Bianchi. La vita e i giorni. Torino: Einaudi, 2018.