الصوم الحقيقي بين الممارسة الطقسية وتجديد القلب

يُعدّ الصوم من أقدم الممارسات الروحية في حياة المؤمنين، إلا أنّ معناه في المسيحية يتجاوز الامتناع الجسدي عن الطعام ليصل إلى عمق القلب وتحويل الحياة. فالصوم هو مسيرة توبة وتجديد علاقة مع الله ومع القريب.
أولاً: الصوم في العهد القديم – رفض الصوم الشكلي
ينتقد النبي إشعيا الصوم الذي يكتفي بالمظاهر الخارجية، ويكشف بوضوح ما يريده الله من الإنسان: “أَلَيسَ الصَّومُ الَّذي فَضَّلتُه هو هٰذا: حَلُّ قُيودِ الشَّرِّ وفَكُّ رُبُطِ النِّير وإِطْلاقُ المَسْحوقينَ أَحْراراً وتَحْطيمُ كُلِّ نير؟ أَليسَ هو أَن تَكسِرَ للجائِعِ خُبزَكَ وأَن تُدخِلَ البائسينَ المَطْرودينَ بَيتَكَ وإِذا رَأَيتَ العُرْيانَ أَن تَكسُوَه وأَن لا تَتَوارى عن لَحمِكَ؟” (إشعيا 58. 6–7)
يؤكد هذا النص أن الصوم الحقيقي مرتبط بالعدالة والرحمة، وأنه لا ينفصل عن المسؤولية تجاه الآخر.
ثانياً: تعليم يسوع عن الصوم
في العهد الجديد، يركّز يسوع على البُعد الداخلي للصوم، محذراً من الرياء الديني: “وإِذا صُمتُم فلا تُعبِّسوا كالمُرائين، فإِنَّهم يُكلِّحونَ وُجوهَهُم، لِيَظْهَرَ لِلنَّاسِ أَنَّهم صائمون. الحَقَّ أَقولُ لكم إِنَّهم أَخَذوا أَجرَهم. أَمَّا أَنتَ، فإِذا صُمتَ، فٱدهُنْ رأسَكَ وٱغسِلْ وَجهَكَ، لِكَيْلا يَظْهَرَ لِلنَّاسِ أَنَّكَ صائم، بل لِأَبيكَ الَّذي في الخُفْيَة، وأَبوكَ الَّذي يَرى في الخُفْيَةِ يُجازيك” (متى 6. 16–18)
الصوم هنا يتحوّل إلى فعل علاقة شخصية مع الآب، علاقة بنوّة، لا ممارسة استعراضية. الصوم يصبح فعل حب وثقة، لا وسيلة لكسب مديح الناس واعجابهم.
ثالثاً: الصوم في تعليم الكنيسة
ترى الكنيسة في الصوم عملاً توبوياً متكاملاً، مرتبطاً بالصلاة والصدقة، وليس مجرد امتناع عن الطعام. ويؤكد التعليم المسيحي أن هدف الصوم هو تنقية القلب، وضبط الرغبات، وتعزيز التضامن مع الفقراء، ليكون طريقًا نحو الحرية الداخلية والقدرة على المحبة العملية.
وتوضح الفقرة 1434 من التعليم المسيحي هذا المعنى بوضوح: “إن التوبة الداخلية للمسيحي يمكن أن تتجسد بطرق كثيرة ومتعددة. يركز الكتاب المقدس وآباء الكنيسة بشكل خاص على ثلاثة أشكال: الصوم، الصلاة، والصدقة، التي تعبّر عن التحول في العلاقة مع الذات، ومع الله، ومع الآخرين. إلى جانب التطهير الجذري الذي يجلبه المعمودية أو الاستشهاد، يشيرون إلى وسائل أخرى للحصول على مغفرة الخطايا مثل: السعي إلى المصالحة مع القريب، الدموع في التوبة، الاهتمام بخلاص الآخرين، شفاعة القديسين، وممارسة المحبة التي ‘تغطي كثرة من الخطايا.’”
من هذا المنطلق، يظهر أن الصوم في تعليم الكنيسة ليس عملاً معزولاً، بل جزءاً أساسياً من حياة توبة متكاملة، يشمل الصلاة والصدقة، ويؤدي إلى تحول داخلي حقيقي في حياة المؤمن، وتجديد علاقته بالله والآخرين
رابعاً: الصوم عند آباء الكنيسة
يحتلّ الصوم مكانة مركزية في تعليم آباء الكنيسة، الذين شدّدوا على أن قيمته لا تكمن في الجوع الجسدي بل في التغيير الروحي.
يرى يوحنا الذهبي الفم أن الصوم الحقيقي هو كبح اللسان عن الشر، واليد عن الظلم، والقلب عن الكراهية، مؤكدًا أن الامتناع عن الطعام بلا محبة هو صوم ناقص: “إن صمت الجسد بلا صمت القلب لا يرضي الله، أما الصوم الذي ينقي القلب فيجعل الإنسان أقرب إلى الله والآخرين.”
أما أوغسطينوس فيربط الصوم بالمحبة، معتبرًا إياه وسيلة لرفع القلب إلى الله، شرط أن يقترن بالرحمة والغفران: “إن لم يقترن الصوم بالرحمة والغفران، فهو صوم ناقص. فالأفضل أن يكون قلبك ممتلئًا بالمحبة من أن يكون بطنك ممتلئاً.”
عند آباء الكنيسة، الصوم هو مدرسة روحية تُشكّل الإنسان الجديد، وتربطه بالله، وتعمّق محبته للآخرين، لا مجرّد ممارسة زمنية أو جسدية.
خامساً: هل يختلف الصوم المسيحي عن باقي الأصوام؟
يختلف الصوم المسيحي في جوهره أكثر مما يختلف في شكله. فبينما تركز بعض الأصوام على الدقة الزمنية أو الغذائية، يركّز الصوم المسيحي على:
-تحوّل القلب
-المحبة العملية
-العلاقة الشخصية مع الله
الصوم المسيحي يُقاس بثماره الروحية، لا بدرجة التشدد في الامتناع.
خاتمة
الصوم الحقيقي في المسيحية هو عبور من المظهر إلى الجوهر، ومن الامتناع إلى العطاء. إنه زمن نعمة يُعاد فيه ترتيب القلب، ليصبح الله في المركز، وتتحوّل الحياة إلى شهادة محبة ورحمة.
الخوراسقف: سعدي خضر/هولندا
السبت 14-02-2026
المراجع
1. كتاب مقدّس – الترجمة اليسوعية. بيروت: دار المشرق، الطبعة الرسمية، 1994
2.الفغالي، بولس. الكتاب المقدس: قراءة روحية ولاهوتية. بيروت: دار المشرق، 2005.
3.بارودي، أنطوان. العبادة في العهدين القديم والجديد. بيروت: دار الكتاب المقدس، 1998
4.Catechismo della Chiesa Cattolica. Città del Vaticano: Libreria Editrice Vaticana, 1992.
5.Agostino d’Ippona. Discorsi (Sermoni). A cura di Luigi Alici. Roma: Città Nuova Editrice, 2002.
6.Giovanni Crisostomo. Omelie sul Vangelo di Matteo. Roma: Città Nuova Editrice, 2003.