sykakerk.nl


الصوم عن الإدانة… والتدرّب على الرحمة



الصوم عن الإدانة… والتدرّب على الرحمة

“لا تَدينوا لِئَلَّا تُدانوا” (متى 7. 1)

الصوم ليس مجرد امتناع عن الطعام، بل مسيرة روحية لتنقية القلب. يعلّم كتاب التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية أن الصوم الحقيقي يحرّر الإنسان من كل ما يُشوّه صورة الله فيه، ومن أخطر هذه الممارسات الإدانة.

في ثقافة تميل إلى النقد السريع، نتحوّل أحياناً إلى قضاة، وننسى أننا أبناء رحمة. لذلك يذكّرنا الرب في إنجيل متى: “لا تَدينوا لِئَلَّا تُدانوا”، داعياً إيانا لنعيش هويتنا كمحبّين لا كحكّام.

أولاً: المشكلة – الإدانة في الحياة اليومية

الإدانة ممارسة يومية قد لا ننتبه لها: في الأسرة، قد يُخطئ أحد الأبناء، فيُوصَف فوراً بأنه “مهمل”، فتُزرع في قلبه مشاعر نقص تدوم طويلاً.

في العمل، يتأخر موظف، فنحكم عليه بعدم المسؤولية، دون أن نعرف ظروفه.

الإدانة تمنح شعوراً زائفاً بالتفوّق، كما في مثل الفريسي والعشّار (لوقا 18. 11)، حين قال الفريسي: “اللهم إني أشكرك أني لست مثل باقي الناس”. لكنها تدمّر العلاقات، وتغلق باب التوبة بدل فتحه. ويقول يعقوب في رسالته: “لِأَنَّ الدَّينونَةَ لا رَحمَةَ فيها لِمَن لم يَرحَم” (يعقوب 2. 13).

ثانياً: البعد الروحي – خطورة الإدانة

الإدانة تضعنا مكان الله، فيما الرب وحده هو الديّان (يعقوب 4. 12). نحن نرى الظاهر، أما الله فيرى القلب.

في حادثة المرأة الزانية (يوحنا 8. 7) قال يسوع: “مَن كانَ مِنكُم بِلا خَطيئة، فلْيَكُنْ أَوَّلَ مَن يَرميها بِحَجَر”، فانصرف الجميع. الصوم يذكّرنا أننا جميعاً خطأة محتاجون إلى النعمة: “إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله” (رومية 3. 23).

الإدانة تكشف ضعفاً داخلياً؛ فالذي يُكثر من الحكم يهرب أحياناً من مواجهة ذاته. وقد شدّد الكاردينال الإيطالي مارتيني على أن المسيحي مدعو إلى “التمييز” لا “الإدانة”: التمييز يبحث عن الحقيقة بمحبة، أما الإدانة فتغلق باب الرجاء.

كما يؤكد البابا فرنسيس في الإرشاد الرسولي (فرح الإنجيل) أن الكنيسة مدعوّة لتكون بيتاً مفتوحاً للرحمة. فالمؤمن الحقيقي ليس حارس ناموس، بل شاهد لرحمة الله. مجتمع الإدانة يعيش في خوف، أما مجتمع الرحمة فينمو في الثقة.

ثالثاً: كيف نصوم عن الإدانة عملياً؟

1. التوقّف قبل الحكم: قبل الحديث عن شخص، اسأل نفسك: هل هدفي الإصلاح أم الانتقاص؟ كما يقول الانجيل: “ومَعَ ذٰلك فعَلى كُلِّ إِنسانٍ أَن يَكونَ سَريعًا إِلى الِٱستِماعِ بَطيئًا عَنِ الكَلام، بَطيئًا عنِ الغَضَب” (يعقوب 1. 19).

2. تحويل النقد إلى صلاة: بدل أن تقول: “كيف يفعل هذا؟”، قل: “يا رب، أعطه قوة”. الصلاة تحوّل القلب من قاض ٍ إلى شفيع.

3. البحث عن الجرح المخفي: الشخص الغاضب أو المنعزل قد يكون متألّماً. الرحمة تعني البحث عن السبب قبل إصدار الحكم (أفسس 4. 32).

4. التذكّر المستمر لضعفنا الشخصي: كل واحد منا خطاء يحتاج إلى غفران الله.

رابعاً: ثمار الصوم عن الإدانة

-يتحرّر القلب من الغضب والمقارنة.

-ينمو السلام والتواضع.

-نصبح مصدر أمان للآخرين.

عندما أم تتوقف عن انتقاد ابنتها، وتبدأ بالاستماع إليها؛ بعد أسابيع، تغير الحوار، لأن الرحمة فتحت باب الثقة.

الرحمة لا تعني تبرير الخطأ، بل توجيه الشخص بحب، كما فعل يسوع مع المرأة الزانية: “إِذهَبي ولا تَعودي بَعدَ الآنَ إِلى الخَطيئَة” (يوحنا 8. 11).

الخاتمة

في هذا الصوم، لنسأل أنفسنا:

هل كلماتي تشبه أحجارًاً تُرمى، أم بلسماً يشفي؟

هل أُقرّب الناس إلى الله أم أُبعدهم عنه بقساوتي؟

دعوة الرب “لا تَدينوا لِئَلَّا تُدانوا” هي طريق حرية. فلنصم عن الإدانة، ونتدرّب على الرحمة، لنظهر وجه الله الرحوم في حياتنا اليومية، ونؤكد أن الهوية المسيحية الحقيقية ليست في الحكم، بل في المحبة والرحمة.

فلنصم عن الإدانة، ولنتدرّب على الرحمة، كي يرى العالم فينا وجه الآب الرحوم، وتصير حياتنا شهادة حيّة أن المحبة أقوى من الحكم، وأن الرحمة هي هوية المسيحي الحقيقية.

الخوراسقف: سعدي خضر/هولندا

السبت 21-02-2026

 

المراجع

1. كتاب مقدّس – الترجمة اليسوعية. بيروت: دار المشرق، الطبعة الرسمية، 1994

2.الكنيسة الكاثوليكية. كتاب التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية. بيروت: المكتبة البولسية، 1992. (الفقرات 2477–2478 حول الحكم المتسرّع والإدانة).

3.فرنسيس، البابا. فرح الإنجيل (Evangelii Gaudium). بيروت: دار المشرق، 2013.

4.Martini, Carlo Maria. Conversazioni notturne a Gerusalemme. Milano: Mondadori, 2008.