Skip to main content

sykakerk.nl


الخلافات بين المؤمنين والكاهن في الرعية: قراءة رعوية ولاهوتية في ضوء الشركة الكنسية


Screenshot


مقدمة

تُعد الرعية المسيحية المكان الذي يعيش فيه المؤمن خبرة الكنيسة كشركة (Communio)، حيث يجتمع الكاهن والمؤمنون حول كلمة الله والأسرار المقدسة وخدمة المحبة. غير أن هذه الشركة، لأنها تضم أشخاصاً بشريين، قد تواجه أحياناً تحديات أو خلافات تتعلق بأسلوب الإدارة، أو طريقة التعامل، أو الشعور بعدم المساواة في الاهتمام، أو بعض الجوانب الشخصية، أو غير ذلك من الأمور التي قد تؤثر في العلاقة الرعوية.

وتطرح هذه الخلافات سؤالاً أساسياً: كيف يمكن للمؤمن أن يمارس النقد المسؤول؟ وما حدود النقد المشروع؟ وكيف يمكن الحفاظ على وحدة الرعية دون تجاهل الأخطاء أو المشكلات الحقيقية؟ وكيف يمكن احترام الآخر، مهما كان، مع الحفاظ على الحق والعدل؟

 

أولاً: الرعية شركة وليست مؤسسة إدارية

تنظر الكنيسة إلى الرعية باعتبارها جماعة إيمان وشركة روحية، وليست مجرد مؤسسة تنظيمية. فالكاهن مدعو إلى خدمة الجماعة باسم المسيح وقيادتها بروح الخدمة والمحبة، لا بمعزل عنها. كما أن المؤمنين ليسوا مجرد متلقين للخدمة، بل هم شركاء في رسالة الكنيسة، كلٌّ بحسب مواهبه ومسؤولياته.

لذلك ينبغي أن تقوم العلاقة بين الكاهن والمؤمنين على الأبوة الروحية، والثقة المتبادلة، والحوار، لا على منطق السلطة من جهة أو المعارضة من جهة أخرى.

 

ثانياً: أسباب الخلافات داخل الرعية

تظهر الخلافات بين الكاهن والمؤمنين غالباً بسبب عدة عوامل، منها:

1. أسلوب الإدارة:

قد يشعر بعض المؤمنين بأن بعض القرارات تُتخذ بصورة فردية أو دون مشاركة كافية، بينما يرى الكاهن أن بعض الظروف الرعوية تتطلب سرعة في اتخاذ القرار خدمةً لمصلحة الجماعة.

 

2. الشعور بالمحاباة:

قد يعتقد بعض أبناء الرعية أن الكاهن يهتم بمجموعة معينة من الأشخاص أو العائلات أكثر من غيرهم، مما يولّد شعوراً بالتهميش، حتى لو لم يكن ذلك مقصوداً.

 

3. السلوك الشخصي:

قد يتناول النقد أسلوب التعامل، أو طريقة التواصل، أو مستوى الإصغاء إلى المؤمنين، لما لهذه الجوانب من أثرٍ في العلاقة الرعوية وفي بناء الثقة بين الكاهن والجماعة.

 

4. المظهر وأسلوب الحياة:

قد تصبح ملابس الكاهن أو أسلوب حياته أو تعامله مع الأمور المادية موضع نقاش. وهنا يجب التمييز بين اختلاف الأذواق الشخصية وبين الأمور التي تمس فعلاً الشهادة الإنجيلية والالتزام الكنسي.

 

ثالثاً: حق المؤمن في النقد ومسؤوليته

يؤكد التعليم الكنسي أن للمؤمنين حقاً في التعبير عن آرائهم فيما يخص خير الكنيسة، كما توضح مجموعة قوانين الكنيسة اللاتينية CIC) (3§ 212)) = مجموعة قوانين الكنائس الشرقية الكاثوليكية (15 §3)(CCEO).

أن للمؤمن الحق في إظهار احتياجاتهم وآراءهم للرعاة، مع المحافظة على الاحترام الواجب وكرامة الأشخاص.

إذن فالنقد ليس أمراً مرفوضاً في ذاته، بل يمكن أن يكون وسيلة للإصلاح والنمو إذا كان هدفه البناء، وتم بطريقة صادقة ومحبة.

لكن النقد يفقد قيمته الإنجيلية عندما يتحول إلى نميمة، أو يعتمد على الشائعات، أو يهدف إلى إسقاط الكاهن بدل مساعدته، أو يؤدي إلى انقسام الجماعة.

 

رابعاً: مسؤولية الكاهن

إن دعوة الكاهن إلى الخدمة لا تعفيه من المراجعة والتقييم، فالراعي الحقيقي يُصغي إلى شعبه، ويتقبّل الملاحظات بروح التواضع والمسؤولية. ومن مسؤولياته:

الإصغاء إلى المؤمنين.
ممارسة الشفافية في الإدارة.
التعامل بعدالة مع جميع أبناء الرعية.
تجنب المحاباة.
طلب المشورة عند الحاجة.
تذكّر أن السلطة في الكنيسة هي خدمة قبل أن تكون منصباً.


خامساً: مسؤولية المؤمنين

في المقابل، يُدعى المؤمنون إلى ممارسة النقد بروح مسيحية من خلال:

الحوار المباشر قبل نشر الانتقادات.
تجنب الأحكام السريعة.
الصلاة من أجل الكاهن.
المشاركة الإيجابية في حياة الرعية.
التمييز بين ضعف بشري عابر وبين جوهر الرسالة الكنسية.
فالكنيسة لا تقوم على كمال البشر، بل على عمل المسيح وسط جماعة بشرية تحتاج دائماً إلى النمو والتجدد.

 

سادساً: ثقافة الحوار طريق لمعالجة الخلاف

لا تُحل الخلافات بالصمت أو التصعيد، بل ببناء ثقافة حوار تقوم على الإصغاء المتبادل، والمجالس الرعوية الفاعلة، والشفافية، والرجوع إلى الإنجيل وتعليم الكنيسة.

فعندما يشعر المؤمن بأنه مسموع، ويشعر الكاهن بأنه مدعوم لا مُحاكم، تصبح الخلافات فرصة للنضج بدل أن تكون سبباً للانقسام.

 

خاتمة

إن الخلافات بين المؤمنين والكاهن ليست بالضرورة علامة على فشل الرعية، بل هي جزء من واقع الكنيسة التي تجمع بين الدعوة الإلهية والضعف البشري. لكن طريقة التعامل معها هي التي تحدد نتائجها.

فالمؤمن مدعو إلى النقد المسؤول، والكاهن مدعو إلى الخدمة المتواضعة وقبول المراجعة. وعندما يجتمع الطرفان في روح المحبة والحقيقة، تصبح الرعية صورة حية للكنيسة: جماعة متحدة في الإيمان، متنوعة في المواهب، ومتعاونة في الرسالة.


الخوراسقف: سعدي خضر/هولندا


https://sykakerk.nl


المراجع

1.Concilio Vaticano II. Costituzione Dogmatica sulla Chiesa: Lumen Gentium. Città del Vaticano: Libreria Editrice Vaticana, 1964.

2.Concilio Vaticano II. Decreto sul Ministero e la Vita dei Presbiteri: Presbyterorum Ordinis. Città del Vaticano: Libreria Editrice Vaticana, 1965

3.Codice di Diritto Canonico. Città del Vaticano: Libreria Editrice Vaticana, 1983.

4.Giovanni Paolo II. Pastores Dabo Vobis. Città del Vaticano: Libreria Editrice Vaticana, 1992.

5.Francesco. Evangelii Gaudium. Città del Vaticano: Libreria Editrice Vaticana, 2013.